أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

308

عجائب المقدور في نوائب تيمور

الحركة - وإن كان في صحبة مولانا الأمير كل خير وبركة - خصوصا على هذا السفر البعيد الشقه ، الكثير المشقة ، ومع كوني ليس لي على ذلك من طاقه ، لا جمل لي في مناخ السفر ولا ناقة ، وأما أنتم فالسفر عليكم حتم لازم ، وحق ملازم ، لا يسعكم فيه التخلف ، ولا يفسح لكم فيه المطل والتسوف ، فلم يعفني ، وتعلل لي بعلل ، عللني فيها ولم يشفني ، فلم أر بدا من الاستعداد ، وتحصيل الرفيق والزاد ، ثم سرنا حتى وافينا جده ، وقد ركب في الجادة جده وجدّه « 1 » ، ورأينا من تلك العساكر ، بحارا لا أول لها ولا آخر ، إن إنفرط أحد من سلك جماعته ، وضل معتزلا عن سنن سنته ، لا يصل إليهم بالسرج والشمع ، ولا يهتدي إلى سنة جماعته إلا إن كان يوم الجمع . فبينا أنا معهم أسير ، وقد وهن مني العظم الكسير ، وأثر فيّ التعب ، وأخذ مني النصب والوصب ، ومللت السرى ، وعدمت الكرى ، نفضت يدي من الرفيق ، وأخذت على فجوة من الطريق ، فلما أن خلوت ، هيمنت « 2 » بالقرآن العظيم ، وتلوت ، ثم استهواني الذوق والشوق ، فحلقت بمراشيق حلقي إلى فوق ، وكان صوته أطيب من رقيق المقطوع على رخيم الموصول ، وألذ من جمع شمول على كأس شمول ، بنسيم الشمال معلول ، وبرضاب الحبيب مشمول ، قال : وإذا برجلين ضعيفين ، كالعود البالي نحيفين ، أشعثين أصفرين ، ذوي طمرين أغبرين ، بصراني عن جنب ، وعلقا بي علوق الوتد بالطنب ، فجعلا يراقبان أحوالي ، ويستمعان أقوالي ، فلما زمزمت زمزمتي « 3 » ، وكففت هينمتي ، وكتمت في خزانة صدري جواهر كلماتي ، وختمت بطابع دعائي زواهر آياتي ، بكيا لمناجاتي ، وأمنا على دعواتي ، ثم أقبلا نحوي ، وسلما ، واهتزا لما

--> ( 1 ) - أي حظه واجتهاده . ( 2 ) - أي قرأت بصوت خافت . ( 3 ) - زمزم المغني : ترنم .